هل أصبحت فرنسا المظلة النووية لأوروبا؟

في ظل استمرار الحرب في أوكرانيا للعام الثاني على التوالي، بدت بعض التحديات والثغرات في مجالات الدفاع والأمن بقارة أوروبا التي طرقت الحرب أبوابها تتكشف شيئًا فشيئًا.

ورغم أن تلك الحرب أدت إلى تماسك حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تعد أغلب بلدان أوروبا عضوًا فيه، فإن الثغرات التي كشفتها الأزمة الأوكرانية، أثارت قلق دول القارة العجوز، التي ما زالت تشعر بالقلق وعدم ثقتها بقدرات الناتو بتأمين حمايتها نوويا وتقليديا.

ويقول المركز الأوروبي لدراسات مكافحة الإرهاب والاستخبارات، إن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا تحمي حلفاء الناتو الآخرين تحت “المظلات النووية” بما يتماشى مع التزام الناتو بأن أي هجوم على أي حليف يعتبر هجومًا على الحلف بأكمله.

وفيما لا تمتلك معظم الدول الأعضاء في الناتو أي أسلحة نووية، مكتفية باستضافة أسلحة نووية أمريكية، يختلف الأمر بالنسبة لفرنسا والمملكة المتحدة اللتين تمتلكان ترسانتهما النووية الخاصة، تضم عدة مئات من الأسلحة النووية.

ولم تكشف الولايات المتحدة وحلفائها في الناتو عن أرقام دقيقة لمخزوناتها المنتشرة في أوروبا، إلا أن التقديرات المنشورة في عام 2021، تشير إلى وجود 100 سلاح نووي مملوك للولايات المتحدة مخزنة في خمس دول أعضاء في الناتو عبر ست قواعد: كلاين بروجيل في بلجيكا، وقاعدة بوشل الجوية في ألمانيا، وقواعد أفيانو وجيدي الجوية في إيطاليا، وقاعدة فولكل الجوية في هولند.، وإنجرليك في تركيا

فيما تمتلك فرنسا وبريطانيا صواريخ نووية تُطلق من الغواصات وصواريخ كروز نووية تُطلق من الطائرات. وكشف البلدان علنًا عن حجم وطبيعة ترسانتهما، لكنهما ليستا -إضافة إلى الصين- طرفًا في اتفاقيات الحد من الأسلحة الأمريكية الروسية.

المظلة النووية

وما إن خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، حتى بات يُنظر إلى فرنسا على أنها قد تكون المظلة النووية لأوروبا بديلا عن أمريكا، إلا أن استبدال الضمان النووي الأمريكي بمظلة نووية فرنسية لأوروبا سيواجه تحديات سياسية ولوجستية كبيرة.

ويقول المركز الأوروبي، إنه نظرًا لتزايد حالة عدم اليقين في أوروبا وآسيا، فإنه على أوروبا ـ ألمانيا، أن تنظر في السيناريوهات والخيارات التي تتجاوز بنية الردع الحالية.

وأشار إلى أن فرنسا تلعب دورًا مكملاً أكثر وضوحًا للردع النووي الممتد للولايات المتحدة، متخذًا أشكالاً مختلفة؛ من المشاورات المعززة إلى التدريبات النووية المشتركة.

ورغم أن أي خطوات من هذا القبيل غير مرجحة حاليًا، إلا أن المصالح الأمريكية والأوروبية تتماشى الآن أكثر من أي وقت مضى بطريقة قد تسمح بسياسة ردع غربية أفضل تنسيقاً.

وحتى يحل الردع الفرنسي الموسع محل الترتيب الحالي المتمركز حول الولايات المتحدة، وسيتعين على النظام الأوروبي والدولي أن يتغير بشكل أساسي، إضافة إلى تلبية شرطين:

  • يتعين على الولايات المتحدة الانسحاب بالكامل من الهندسة السياسية والاقتصادية لأوروبا من أجل ضمان أمنها.
  • يجب أن يظل التهديد الأمني في أوروبا عند نفس المستوى كما هو الحال اليوم أو حتى يزيد.

ورغم ذلك، إلا أنه من غير المرجح أن تتحقق هذه الشروط في المستقبل المنظور، بحسب المركز الأوروبي الذي سرد أسبابًا لذلك، منها أن انسحاب الولايات المتحدة من أوروبا بعيد الاحتمال للغاية، مشيرًا إلى أن الشركاء عبر الأطلسي يواجهون العديد من التحديات نتيجة صعود الصين، والقوة المتزايدة للقوى الانعزالية والشعبوية في الولايات المتحدة والتوترات الاقتصادية والتكنولوجية والتنظيمية المختلفة.

الموقف الأمريكي

لكن رد واشنطن على حرب أوكرانيا أوضح أن الولايات المتحدة ستحافظ على التزامها بأمن أوروبا في الوقت الحالي، بحسب المركز الأوروبي، الذي قال إنه على المدى المتوسط إلى الطويل، لا يبدو أن لدى الأوروبيين ولا الأمريكيين بدائل كثيرة من أجل التمكن من متابعة مصالحهم السياسية والعسكرية والاقتصادية العالمية.

وستواصل واشنطن الاعتماد على التعاون مع الدول الأوروبية الرئيسية، فيما ستفضل معظم الدول الأوروبية أن تضمن الولايات المتحدة أمن القارة واحتواء الطموحات الروسية، بحسب المركز الأوروبي.

ورغم أن هناك رغبة أوروبية أن تكون فرنسا قوة نووية أوروبية أوسع، لكن حرب أوكرانيا كشفت الكثير من الخلافات داخل دول أوروبا ذاتها وكذلك الخلافات مع واشنطن بسبب تغيير أولوية المصالح الوطنية لكل دول، إضافة إلى عوامل الثقة وتوسع الطموحات والتراكمات التاريخية لبعض الدول والتي لعبت دوراً بعدم إمكانية تحقيق مظلة نووية أوروبية مستقلة.

وأكد المركز الأوروبي، أن توسع الناتو في أوروبا، بانضمام فنلندا واحتمال لحاق السويد بالركب، يمثل “مصدر استفزاز إلى روسيا”، ما يتطلب من كل الأطراف: روسيا ودول الناتو تصعيد جهوزيتهم القتالية واللوجستية أكثر من السابق مع ظهور خارطة حدود جديدة في أوروبا.

مقالات ذات صلة