“معادلة الوجود”.. لما أعلنت إيران عن إنشاء مصفاة نفط على الساحل السوري؟

تتجه إيران للشروع في “خطوة إستراتيجية” توسع عبرها دائرة نفوذها في سوريا عبر إنشاء مصفاة نفط على ساحل البحر المتوسط الذي كان من أبرز أسباب تدخلها العسكري عام 2012 في هذا البلد، كسب موطئ قدم على شواطئه الدافئة.

وفي 27 سبتمبر/أيلول 2023، أعلن مساعد وزير النفط الإيراني جليل سالاري، أن حكومة بلاده أنهت الدراسات الأساسية لمشروع إنشاء مصفاة نفط جديدة على الساحل السوري، بهدف تصدير 100 ألف برميل من النفط يوميا، “للمساهمة في زيادة الدخل للشركات الإيرانية”.

وفي حديثه لوكالة “فارس” الإيرانية، قال سالاري إن هذا المشروع جاء نتيجة توقيع مذكرة تفاهم ثلاثية بين إيران وفنزويلا والنظام السوري، في وقت سابق، لإنشاء مصفاة جديدة في سوريا بسعة 140 ألف برميل، وتزويدها بالنفط اللازم.

مصفاة لتعزيز المحور

وأشار “سالاري” إلى أن الدراسات الإيرانية خلصت إلى أن سوريا والدول المجاورة لها بحاجة للمنتجات النفطية، ونتيجة لذلك وضعت خطة لبناء مصفاة بسعة 140 ألف برميل، بجانب المصفاتين السوريتين الموجودتين (حمص وبانياس)، وجرى إدراجها على جدول الأعمال كي تدخل مرحلة التمويل والإنشاء.

ورأى أن “بناء مصفاة جديدة وإصلاح مصفاة حمص سيحقق “معادلة مربحة” للجانبين الإيراني والسوري من الناحية الاقتصادية، وأيضا سيؤدي الاتفاق إلى مكاسب سياسية، عبر تعزيز جبهة محور المقاومة، وسد احتياجاتها من الوقود”.

وتعاني مناطق النظام السوري نقصا حادا بالمحروقات كونه يعتمد على شراء النفط من مليشيا “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد) المدعومة من الولايات المتحدة والتي تسيطر على 90 بالمئة من إنتاج النفط والغاز لتركز الحقول في مناطق نفوذها.

وكذلك يعتمد النظام على النفط الإيراني الذي تمده بشحنات من النفط الخام عبر طرق الالتفاف على العقوبات الغربية، بالقدر الذي يسمح بمنع انهيار حكومي جراء أزمة المحروقات التي لم تنفرج منذ عام 2011.

وتسلك طهران طرقا عدة ملتوية لتأمين وصول شحنات من النفط والوقود إلى نظام بشار الأسد، تعد مخرجه الوحيد لتشغيل وزاراته ودوائره ومد المواطنين بالحد الأدنى من متطلبات المحروقات.

وتفرض الولايات المتحدة منذ العام 2014 عقوبات على منشآت نفطية تابعة لحكومة بشار الأسد، كما حظرت التعامل مع مصفاتي بانياس وحمص.

لكن طرح إيران مشروع إنشاء مصفاة النفط في الساحل السوري حيث تمتلك نفوذا داخل ميناء اللاذقية لها دلالات قريبة وبعيدة في هذا التوقيت.

خاصة أنه منذ عام 2008 كانت هناك محاولات من قبل حيتان اقتصادية مقربة من النظام السوري، لإنشاء مصاف نفط جديدة في البلاد.

إلا أن جميعها لم يكتب لها النجاح بسبب طبيعة التنافس حينها بين أقطاب المال الدائرة في فلك النظام للاستحواذ على هذا القطاع بشكل خاص، قبل أن ينسف اندلاع الثورة عام 2011 الفكرة؛ نتيجة توظيف النظام المال لقمعها.

أهداف إستراتيجية

ومن اللافت أن إيران تتجه بشكل استعجالي نحو الاستحواذ على قطاعات حيوية بسوريا، حيث نجحت في توقيع عقود مع نظام الأسد، وجميعها مرتبط بالحرس الثوري الإيراني.

وعلى سبيل المثال، وقعت إيران مع النظام السوري خلال عام 2019 نحو 35 اتفاقية، منها 23 فقط في يناير/كانون الثاني من العام المذكور دفعة واحدة، وسبق ذلك عشرات العقود والمذكرات والتفاهمات.

حتى إن الوثيقة الجديدة التي نشرتها مجموعة “ثورة لإسقاط النظام” الإيرانية المعارضة بعد اختراقها لموقع الرئاسة الإيراني، وتداولتها وسائل الإعلام في 10 أغسطس/آب 2023، كشفت أن طهران أنفقت ما يزيد على 50 مليار دولار خلال 10 سنوات على الحرب في سوريا.

ولهذا فإنه حينما زار الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي في 3 مايو/أيار 2023 على رأس وفد رفيع سياسي واقتصادي، دمشق في زيارة رسمية هي الأولى لرئيس إيراني لهذا البلد منذ عام 2010، التقى خلال بشار الأسد حملت توقيع عقود في قطاع النفط.

فبعد أيام كشف عضو الوفد البرلماني الإيراني إلى سوريا عباس كلرو، لوكالة “فارس” الرسمية أنه خلال زيارة رئيسي لسوريا، جرى التوقيع على 9 اتفاقيات اقتصادية، مشيرا إلى أن النقطة المحورية لهذه الاتفاقيات تمثلت في رفع العقبات الاقتصادية والتجارية بين البلدين.

وأضاف كلرو في قطاع النفط وحسب الاتفاق المبرم، تقرر أن تساعد إيران في تعزيز طاقات سوريا للتنقيب عن النفط واستخراجه.

أولوية قديمة

وتعليقا على المشهد، يؤكد الباحث السوري يونس الكريم أن “جدية إيران في إنشاء مصفاة للنفط في سوريا في الوقت الراهن تنبع من كونها تريد التذكير بأن قطاع النفط هو أحد أهدافها الإستراتيجية السابقة في هذا البلد، خاصة أن خط أنابيب الصداقة الذي جرى التوقيع عليه قبل الثورة ما يزال قائما على الأرض”.

وأضاف أن “إنشاء هذه مصفاة النفط من شأنه أن يوسع دائرة النفوذ الإيراني بشكل رسمي كما أن أنها ستنشط منطقة العبور من إيران إلى ميناء اللاذقية ومنها إلى لبنان حيث ذراعها العسكري المتمثل هناك بحزب الله خاصة مع العجز الكبير في قطاع المحروقات هناك”.

ورأى الكريم أن “المصفاة تجعل من الإنتاج الإيراني للنفط غير مكشوف لغيرها، وخاصة إذا ما وضعت المصفاة ضمن دائرة الاستثمارات الإيرانية بسوريا والتي تسعى طهران هناك لإنشاء كيان مستقل عن الدولة السورية لا يمكن اختراقه، فضلا عن تأمين المحروقات للمليشيات الإيرانية”.

وختم الكريم بالقول: “إن إيران تنظر إلى ضعف مناطق سيطرة قسد في إنتاج المحروقات لعدم وجود مصفاة هناك، مما يعني أن طهران يمكنها أن تستورد النفط من قسد بدلا عن النظام السوري وحول عمليات التهريب نحو كردستان العراق للنفط السوري إلى المصفاة الجديدة في الساحل السوري”.

صورة كاذبة

ووفقا لتسريبات نشرها “موقع اقتصادي” المعارض، بتاريخ 23 سبتمبر 2023، فإن رأس النظام السوري بشار الأسد حمل معه إلى الصين  في 22 سبتمبر/أيلول 2023 عرضا اقتصاديا وعسكريا.

ويتمحور العرض وفق “اقتصادي” حول “تفعيل خط الغاز الإيراني إلى البحر المتوسط بتمويل وإدارة صينية، الأمر الذي من شأنه أن يعطي الصين وجودا بالمساحة السورية ويعد تعويضا عن خسارتها لحقلي تشرين وعودة، وما رافقهما من احتيال سوري على الصين، وتخفيف من ديون إيران وحد من انتشارها بالبادية السورية”.

ووفقا لوزارة النفط التابعة للنظام السوري، فإن إنتاج النفط خلال عام 2021 بلغ حوالي 31.4 مليون برميل بمتوسط إنتاج يومي 85.9 ألف برميل، يصل منها إلى مناطق سيطرة الأسد 16 ألف برميل يوميا، بينما قبل عام 2011، كان إنتاج سوريا من النفط يصل إلى نحو 400 ألف برميل يوميا.

مقالات ذات صلة