Uncategorized

حين يسخر الغرب من العذاب الإنساني

بقلم: فاروق يوسف

صار توقيع الاتفاق النووي أملا بعيد المنال بالنسبة إلى إيران وبالأخص بعد تنفيذ عقوبة الإعدام على علي رضا أكبري مساعد وزير الدفاع السابق وكانت تهمته التجسس أو “الإفساد في الأرض للمس بالأمن الداخلي والخارجي عبر نقل معلومات استخبارية” إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها أيضا.

ومهما قيل عن ردود الأفعال البريطانية والأميركية على حفلة الإعدام المتزامنة مع حفلات إعدام أخرى صارت تجري داخل إيران من أجل التخلص من أشخاص بعينهم صاروا يشكلون خطرا على أمن النظام بسبب قيادتهم للاحتجاجات المستمرة منذ أشهر فإن الغرب سيحرص على أن لا ينزلق إلى طريق اللاعودة الذي يمكن أن يقطع سبل الاتصالات السرية مع إيران.

إيران من جهتها وبغض النظر عن ردود الأفعال الغربية لم تتخل عن سياساتها الإقليمية وبالأخص في العراق. وما يُقال اليوم من إمكانية عودة التصعيد الميليشياوي ضد القوات الأميركية في العراق ما هو إلا رسالة إيرانية إلى الولايات المتحدة. فإذا كانت المفاوضات النووية قد انتهت إلى طريق مسدودة فإن ذلك لا يعني أن إيران ستكون مستعدة للقبول بشروط أميركية تبث الحياة في اتفاق عام 2015 الذي ترفض أن تُضاف إليه أي فقرة تتعلق بسياساتها العدوانية في المنطقة.

هناك شيء ما ينبغي النظر إلى التباسه بطريقة جادة في العلاقة الغربية بإيران. فلو كانت العقوبات الأميركية التي فُرضت على إيران قد نُفذت بطريقة محكمة لما استمرت إيران في عنادها. ولكن جرى التحايل عليها لا من الطرف الإيراني وحده، بل من قبل أطراف غربية وأميركية من خلال الاستثناءات التي حصلت عليها دول وشركات عالمية عديدة وسمحت لها بالتعامل مع إيران.

تأثر الاقتصاد الإيراني بتلك العقوبات غير أنه لم يصل إلى مرحلة الحضيض كما جرى للاقتصاد العراقي يوم فُرض الحصار الأممي على العراق بعد غزو الكويت عام 1990. وقبل الغزو كان العراق قد نفذ عقوبة الإعدام بفرزاد بازوفت، الصحافي من أصول إيرانية المقيم في بريطانيا بتهمة التجسس. يومها اجتمع مجلس الأمن ليكون مستعدا بعد أشهر لاتخاذ أقسى العقوبات ضد العراق.

علي رضا أكبري بريطاني من أصول إيرانية، وفرزاد بازوفت إيراني مقيم في بريطانيا، أُعدما بتهمة التجسس لكن ردود الأفعال الغربية، البريطانية والأميركية كانت مختلفة في الحالتين. اكتفت بريطانيا بسحب سفيرها في طهران بشكل مؤقت أما الولايات المتحدة فقد نددت بالجريمة من غير أن تدعو مجلس الأمن إلى الاجتماع.

وهو ما يجعلني على يقين أن إيران لا تغازل الغرب، بل الغرب هو الذي يغازلها بالرغم من أنها لم تتراجع قيد أنملة عن سياساتها المعادية له، على الأقل على مستوى مصالحه في المنطقة. وفي ذلك ما يشير إلى أن النظام الإيراني يحظى بنوع من الاحتضان من قبل المؤسسة السياسية الغربية التي كانت حريصة دائما على عدم الزج بإيران في قائمة الدول الراعية للإرهاب بالرغم من أن النظام الإيراني لا يُخفي دعمه وتمويله لميليشيات مسلحة تمارس الإرهاب المنظم ضد المدنيين، حزب الله في لبنان والحشد الشعبي في العراق والحوثيون في اليمن والميليشيات العراقية والأفغانية والباكستانية في سوريا. وما تفسير ذلك سوى أن الممرات لا تزال مفتوحة بين إيران والغرب بحيث تكون الأولى مطمئنة إلى أن ردود الغرب على أفعالها لن تتجاوز الإجراءات الشكلية مثل سحب السفراء بطريقة مؤقتة.

ذلك ما يعني أن الحظ السيء لدول بعينها في المنطقة قد تحول إلى قدر لا يمكن التخلص منه إلا إذا تمكنت تلك الشعوب من فهم معنى المقاومة المزدوجة وهو ما يصعب تحقيقه على الأقل في ظل هيمنة المؤسسة الدينية التي تكفر الغرب كاذبة وتعلي من شأن إيران التي تحمي مصالحها المتشعبة. ولو عدنا إلى الوقائع لعرفنا أن تلك المؤسسة كانت من أكبر الداعمين للاحتلال الأميركي للعراق ولطالما تمنت حركة حماس أو حزب الله أن تمد الولايات المتحدة خيوط حوار مباشر معهما، غير أنها لم تفعل تاركة ذلك الأمر لوكلائها في المنطقة.

لا مصداقية للغرب إذاً في كل ما يقوله عن إيران وسياساتها في المنطقة. وكما أعتقد فإن الشعوب الإيرانية وهي تقاوم نظام الملالي بالاحتجاجات المستمرة قد أدركت هذا الأمر ولم تعد تلتفت إلى حماسات الغرب الكاذبة في الدفاع عن حقوق الإنسان. فما يجري في إيران يؤكد أن النظام لم يتعرض لأية ضغوط حقيقية وأن كل ما كان يجري ما هو إلا عبارة عن استعراضات إعلامية يعرف القائمون عليها أنها ستُنسى بعد ساعات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى