Uncategorized

برنامج جي بي تي شات.. تكنولوجيا تغير ملامح الاقتصاد وتهدد وظائف البنوك

أصبح برنامج “جي بي تي تشات” حديث الساعة والمنتديات والبرامج التلفزيونية والإذاعية حتى نشرات الأخبار. وقبل عدة أيام أعدت وكالة “رويترز” للأنباء تقريرا اقتصاديا عن المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في مدينة دافوس السويسرية، واستهلت التقرير بالقول “لا يستطيع عمالقة الأعمال الذين يتجولون عبر ثلوج جبال الألب التوقف عن الحديث عن روبوت محادثة من سان فرانسيسكو”، في إشارة إلى برنامج “جي بي تي تشات”.

سعت صحيفة الاقتصادية إلى اختبار القدرة الحقيقية لهذا البرنامج، بهدف بلورة فكرة عن القادم الجديد في عالم التكنولوجيا، وهل نحن حقا على أعتاب بداية ثورة جديدة للذكاء الاصطناعي؟ أم أن الأمر لا يتعدى صرخة تكنولوجية سرعان ما سيطويها النسيان.

ولكن قبل التطرق إلى التجربة ونتائجها، دعونا نتحدث قليلا عن برنامج “جي بي تي تشات”. باختصار هو برنامج أنتجته شركة “أوبن أيه آي” أو “أيه آي” وهما اختصارا لكلمتي الذكاء الاصطناعي، ولدى البرنامج القدرة على تقديم إجابات وردود بشرية مقنعة على الأسئلة التي توجه له.

وقد أثار البرنامج تكهنات بشأن الاستخدام المحتمل لهذه التكنولوجيا، فلكل تكنولوجيا جوانبها السلبية، إذ يتخوف البعض من قدرة البرنامج على مساعدة الطلاب في الغش في الامتحانات، بل وكتابة برامج كمبيوتر ضارة. مع ذلك يعتقد خبراء أن هذه التكنولوجيا لديها القدرة على إحداث ثورة في عديد من الصناعات خاصة الصناعات البحثية على الأقل في الوقت الحاضر.

أول الساعين لاقتناص الفرصة كان شركة مايكروسوفت، فبمجرد أن طرحت شركة “أوبن أيه آي” برنامجها الجديد نجحت في جذب أكثر من مليون مستخدم خلال أقل من أسبوع من إطلاق البرنامج، وقررت شركة مايكروسوفت استثمار ما يصل إلى عشرة مليارات دولار في شركة Open AI على مدى عدة أعوام.

على أي حال أرادت “الاقتصادية” إجراء اختبار بسيط على فاعلية البرنامج وقدرته البحثية وإلى أي مدى يمكن أن يساعد على تنفيذ المهمات. كتبنا في المساحة المخصصة للأسئلة ذات السؤال مرة باللغة الإنجليزية ومرة باللغة العربية. وكان السؤال هو “كيف يمكن أن يكون برنامج جي بي تي تشات مفيدا للاقتصاد العالمي؟”.

وكانت الإجابة باللغة الإنجليزية “يمكن أن تساعد دردشة GPT في تعزيز التعاون بين الشركات والمؤسسات في جميع أنحاء العالم. يمكن أن يكون البرنامج بمنزلة منصة للشركات والمؤسسات للتفاعل وتبادل الأفكار والمعرفة وتنسيق الأنشطة. يمكن أن تساعد دردشة GPT أيضا في تقليل تكلفة الاتصال الدولي من خلال توفير نظام أساسي آمن وموثوق للتواصل. إضافة إلى ذلك، يمكن أن تساعد دردشة GPT في زيادة كفاءة المعاملات الاقتصادية العالمية من خلال توفير الوصول الفوري إلى البيانات والمعلومات من جميع أنحاء العالم”.

أما الإجابة باللغة العربية فكانت برنامج GPT Chat يمكن أن يساعد الاقتصاد العالمي بتوفير محتوى أكثر تحديدا للعملاء في الهواتف الذكية. ويسمح للعملاء بالتواصل الفوري مع الشركات والمؤسسات، التي تساعدهم على الحصول على المساعدة المطلوبة. يمكن أيضا لبرنامج GPT Chat التعاون مع الشركات لتحسين الخدمات، التي يقدمها العملاء، وبالتالي يسهم في زيادة الطلب على السلع والخدمات في الاقتصاد العالمي. يمكن أيضا لبرنامج GPT Chat المساعدة على تحسين التواصل الإنساني والتعاون بين الشركات والمؤسسات والمشاريع الصغيرة والكبيرة.

بالطبع لم تكن الإجابتان متطابقتين تماما، وبينهما درجة ما من درجات الاختلاف حول طبيعة تأثير البرنامج على الاقتصاد العالمي، كما أن اللغة المستخدمة في الإجابة جافة غير مرنة أو سلسلة، ويجب أن تقرأها مرارا لاستيعاب المحتوى. لكن بلا شك تمنح الإجابة للمتابع خطوطا عريضة وفكرة عامة عن الموضوع.

كان أول ما ورد إلى الذهن أن محرك البحث الشهير جوجل بات في خطر، فأخيرا ظهر من يمكنه تحديه، وربما إحالته إلى التقاعد يوما ما.

مع هذا ظل السؤال يلح في الذهن، هل يمكن لبرنامج “جي بي تي تشات” أن يكون مفيدا للاقتصاد العالمي؟

حملنا هذا السؤال إلى البروفيسور ديفيد برتشر أستاذ النظم الاقتصادية في جامعة كامبريدج، والذي يعتقد أن برنامج “جي بي تي تشات” سيكون مفيدا للاقتصاد العالمي “يوما ما” على حد قوله. ولكن أي القطاعات الاقتصادية ستكون أكثر استفادة من غيرها، وأي القطاعات ستتضرر أكثر من غيرها؟ فإن الأمر من وجهة نظره يصعب الجزم به حاليا بشكل قاطع فنحن لا نزال على العتبات الأولى من تأثير الذكاء الاصطناعي عامة على الاقتصاد الدولي.

مع هذا يعلق لـ”لاقتصادية” قائلا “ربما تكون البنوك أول القطاعات التي ستستفيد من هذا البرنامج، فالذكاء الاصطناعي يحل محل العاملين في القطاع المصرفي تدريجيا، وبعد أقل من عشرة أعوام لن يقوم أحد بزيارة للبنوك لأن جميع الخدمات المصرفية ستكون عبر الإنترنت، وفي الواقع، فإن البنوك تستخدم بكثافة الذكاء الاصطناعي في أعمالها بل تزيد على كثير من القطاعات الاقتصادية الأخرى. التطور الجديد أن هذا البرنامج يسمح الآن لعملاء البنوك باستخدام الذكاء الاصطناعي، وليس فقط البنوك”.

تتفق المهندسة أيدن آدم الباحثة في مجال الذكاء الاصطناعي مع فكرة أنه من المبكر للغاية استشراف جميع الأبعاد الاقتصادية لبرنامج “جي بي تي تشات”، لكنها توضح لـ”لاقتصادية” أن البرنامج الجديد خطوة في مسار طويل من تأثير الذكاء الاصطناعي على كل مناحي الحياة بما في ذلك الاقتصاد، وفي المراحل الأولى قد لا يكون التأثير مباشرا وملموسا أو ذا طابع مؤثر في الاقتصاد العالمي ككل، وإنما يمكن أن يؤثر ولو بشكل طفيف وغير محسوس على الحياة الاقتصادية اليومية للبشر في بعض المجالات.

وتضيف “هناك عديد من المعاملات المالية ذات الطابع اليومي، بعضها ممل، ويمكن أن يؤدي نسيان القيام بها إلى تعرضك لغرامة مالية، مثلا عدم دفع ثمن ركن سيارتك في موقف للسيارات، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقوم بذلك بدلا منك، هناك أيضا معاملات مالية ذات طبيعة معقدة مثل الحسابات الضريبية، وهنا يمكن لبرنامج “جي بي تي تشات” وفي مراحل متقدمة من برامج الذكاء الاصطناعي الأخرى أن تساعدنا على حل تحديات المعاملات المالية المعقدة”.

مع هذا يعتقد بعض الخبراء في مجال الإدارة بأن برنامج “جي بي تي تشات” لن يؤثر مباشرة في الأداء الاقتصادي العالمي، وإنما سيكون تأثيره ناجما عن البصمة، التي سيتركها على قرارات رؤساء مجالس الإدارات عند اتخاذ قراراتهم، سواء في زيادة أو تقليص معدلات التوظيف أو الاتجاهات الاستثمارية، التي سيسلكونها، أو غيرها من القرارات المصيرية والحساسة، فالنسخة الراهنة من البرنامج متطورة لدرجة أنها تتمتع بالقدرة على كتابة مقالات متماسكة، وإنشاء مستندات قانونية سليمة، والتفاعل مع البشر عبر محادثة سليمة ومقنعة.

وتقول لـ”الاقتصادية” الدكتورة آريا آدم، أستاذة الإدارة العامة، في مدرسة لندن للاقتصاد “يمكن أن يكون هذا البرنامج أداة تساعدنا على أن يكون تفكيرنا أكثر منهجية عند مجابهة تحديات الأعمال، والنظر إلى الموضوعات المختلفة بشكل أعمق وأكثر اتساعا، والابتعاد نسبيا عن النظرة والتقييم الشخصي عند اتخاذ القرار، ومن ثم يتم توسيع دائرة الرؤية بما يسمح باتخاذ قرار أكثر دقة وصوابا، فمثلا سؤال دائما ما يواجه رؤساء مجالس الإدارات وقادة الأعمال، ما الذي يجب مراعاته عند إعادة هيكلة الشركة؟ ربما خبرة رؤساء مجالس الإدارات والمعززة بالنتائج التي يمدنا بها برنامج مثل جي بي تي تشات ستؤدي إلى نتائج تخرجنا من تحيزاتنا المسبقة، التي تؤثر في مدى صواب القرار المتخذ”.

لكن الدكتورة آريا آدم تشير إلى نقطة شديدة الأهمية، حيث قالت “ما يهم حقا هل مثل تلك البرامج المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تزيد من قيمة الخبرة البشرية أم تحل محلها، هذا هو التحدي الذي نواجهه”.

تلك النقطة تحديدا تفتح الباب على مصراعيه لجدل لم يحسم بعد حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي والتوظيف، فعلى سبيل المثال، يمكن للذكاء الاصطناعي دعم عمليات البيع بالتجزئة وزيادة الأرباح وتحسين العمليات التجارية بخفض التكاليف وتحسين سلاسل التوريد، وتحتاج شركات البيع بالتجزئة إلى إعطاء الأولوية للربح والإنتاجية لتظل قادرة على المنافسة، ومن المتوقع أن تزداد خدمات الذكاء الاصطناعي في قطاع التجزئة من خمسة مليارات دولار إلى أكثر من 31 مليار دولار بحلول 2028، لكن في الوقت ذاته تزداد المخاوف بشأن تأثير الذكاء الاصطناعي في الوظائف في قطاع البيع بالتجزئة.

وهنا تحديدا تكمن خطورة برنامج مثل “جي بي تي تشات” وغيره من برامج الذكاء الاصطناعي، التي يتوقع أن تتكاثر بشكل كبير في الأعوام القادمة، وأن تكون أكثر تطورا وتنوعا من برنامج “جي بي تي تشات”، فكل تلك البرامج من الذكاء الاصطناعي ستؤدي إلى تقليص أو تهميش الوظائف الدنيا ذات الطابع الرتيب والروتيني.

وقد ذكر تقرير عن الخدمة المدنية في المملكة المتحدة أنه “من المتوقع حدوث انخفاض كبير في صافي التوظيف في مجالات البيع بالجملة والتجزئة والتمويل والإدارة العامة على المدى القصير والمتوسط”. باختصار سيعمل الذكاء الاصطناعي وبرامج مثل “جي بي تي تشات” على القضاء على الوظائف التي لا تتضمن إبداعا أو ابتكارا في تأديتها.

لكن ما يبعث الطمأنينة في النفوس حاليا، على الرغم من أن هذا لن يدوم كثيرا، فإن برامج مثل “جي بي تي تشات” غير قادرة على القيام بالمهام التي تتطلب العديد من درجات الحكم البشري. فلا يزال برنامج “جي بي تي تشات” بمنزلة مدير تنفيذي مبتدئ يمكنه أنه يخبرك بما يراه في الجدول أو الرسم البياني الموجود أمامه، لكنه لن يتفاعل معك بقوة إذا سألته عن الأسباب وراء تلك النتائج، أو لو طرحت عليه سؤالا من قبيل ماذا سيحدث لو قمنا بإلغاء قسم العلاقات العامة في الشركة وزدنا عدد الوظائف في قسم الاتصالات، ففي مثل تلك النوعية من القرارات لا يزال البشر يتمتعون بقيمة مهمة إلى الآن على الأقل.

في هذا السياق، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يدرك حدوده، إذ يمكن للتكنولوجيا الإجابة على الأسئلة المتعلقة بالمعاشات التقاعدية والاستثمارات والأسهم، لكنها تشجع مستخدميها على طلب المشورة من مستشار إذا كانوا يريدون توصيات مخصصة.

وفي الواقع عندما وجهنا السؤالين التاليين لبرنامج “جي بي تي تشات” كانت الإجابة تساعد على فهم المشهد العام عامة بطريقة منطقية، لكن مع التأكيد بضرورة الاستعانة بالخبراء عند اتخاذ القرار النهائي.

السؤال الأول، ما المشورة المالية إذا كنت أعمل في السعودية؟

المشورة المالية الأساسية للعمل في السعودية هي التركيز على العمل الجاد والحصول على الراتب الذي يجعلك راضيا. يجب أيضا الاستعداد لأي متغيرات في المستقبل. يجب أن تحافظ على التوازن بين الدخل الشهري والمخصصات التي تقوم بدفعها، وتحافظ على سلامة أموالك واستثمارها بشكل ذو عائد إيجابي. ويجب أن يكون لديك خطط للتخطيط المالي لضمان حياة معقولة مستقبلا. كذلك، يجب الاستعانة بخبراء المال عندما يكون الأمر معقدا

السؤال الثاني، ما المشورة الضريبية التي تقدمها لمن يعمل في السعودية؟

المشورة الضريبية الأساسية للعمل في السعودية هي التعرف على القوانين الضريبية المعمول بها في المملكة والتأكد من إيداع الضرائب الفورية والسنوية بشكل صحيح. كذلك، يجب الالتزام بالقواعد الضريبية المحددة وتحديث كل المعلومات الضريبية الخاصة بك. ويجب التأكد من أن جميع الدخول والمخرجات الضريبية يتم تسجيلها بشكل صحيح. كما يجب أيضا الاستعانة بخبراء الضرائب للحصول على المشورة الصحيحة عندما يكون الأمر معقدا.

من جهته، يقول لـ”الاقتصادية” جيرمي موجرديج، الخبير في مجال التسويق، “لقد تمت برمجة أنظمة الذكاء الاصطناعي بحيث لا تقدم نصائح مالية محددة لتجنب الوقوع في الخطأ، لكنها في الوقت نفسه تتجاوز “جوجل”، الذي يعد وسيلة ممتازة للبحث في الموضوعات المالية أنها تجعلك تفهم المشهد المالي بشكل أفضل”.

فهم المشهد المالي بشكل أفضل بفضل برامج الذكاء الاصطناعي مثل “جي بي تي تشات” ليس أكثر من مقدمة، فمن المؤكد أن مطوري الذكاء الاصطناعي لن يقفوا عند هذا الحد، وسيتزايد معدل إحلال الذكاء الاصطناعي والربوتات محل عديد من الوظائف، فصحيفة “نيويورك بوست” الشهيرة رصدت عددا من الوظائف في قطاعات من بينها الصحافة والتعليم العالي وتصميم الجرافيك والبرمجيات جميعها معرضة للخطر بفضل برنامج “جي بي تي تشات”.

باختصار يوما بعد آخر، سنكتشف أن هناك وظائف قد عفا عليها الزمن، وسيترافق ذلك مع تغيرات اقتصادية تصب جميعها في مصلحة المجتمعات الأكثر تمسكا بالتكنولوجيا كحل للتحديات الاقتصادية، التي تواجهها تلك المجتمعات هي التي ستفلح في ترويض النمر، الذي قد يفترس من لا يدرك أنه يقف على الباب الآن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى